ابن كثير

43

البداية والنهاية

ومنها العلانية ، فأما العلانية فأن يكون حامده وذامه في الحق سواء ، وأما السر فيعرف بظهور الحكمة من قلبه على لسانه ، وبمحبة الناس ، ومن محبة الناس فلا تزهد في التحبب فإن النبيين قد سألوا محبتهم ، وإن الله إذا أحب عبدا حببه ، وإذا أبغض عبدا بغضه ، فاعتبر منزلتك عند الله بمنزلتك عند الناس . قالوا : فسار سعد نحو العراق في أربعة آلاف ثلاثة آلاف من أهل اليمن ، وألف من سائر الناس ، وقيل في ستة آلاف ( 1 ) . وشيعهم عمر من صرار إلى الأعوص ( 2 ) وقام عمر في الناس خطيبا هنالك فقال : إن الله إنما ضرب لكم الأمثال ، وصرف لكم القول لتحيي القلوب ، فإن القلوب ميتة في صدورها حتى يحييها الله ، من علم شيئا فلينفع به ، فإن للعدل إمارات وتباشير ، فأما الامارات فالحياء والسخاء والهين واللين . وأما التباشير فالرحمة . وقد جعل الله لكل أمر بابا ، ويسر لكل باب مفتاحا ، فباب العدل الاعتبار ، ومفتاحه الزهد ، والاعتبار ذكر الموت والاستعداد بتقديم الأموال ( 3 ) . والزهد أخذ الحق من كل أحد قبله حق والاكتفاء بما يكفيه من الكفاف ، فإن لم يكفه الكفاف لم يغنه شئ . إني بينكم وبين الله ، وليس بيني وبينه أحد ، وإن الله قد ألزمني دفع الدعاء عنه فأنهوا شكاتكم إلينا ، فمن لم يستطع فإلى من يبلغناها نأخذ له الحق غير متعتع . ثم سار سعد إلى العراق ، ورجع عمر بمن معه من المسلمين إلى المدينة . ولما انتهى سعد إلى نهر زرود ، ولم يبق بينه وبين أن يجتمع بالمثنى بن حارثة إلا اليسير ، وكل منهما مشتاق إلى صاحبه ، انتقض جرح المثنى بين حارثة الذي كان جرحه يوم الجسر فمات رحمه الله ورضي الله عنه ، واستخلف على الجيش بشير بن الخصاصية . ولما بلغ سعدا موته ترحم عليه وتزوج زوجته سلمى . ولما وصل سعد إلى محلة الجيوش انتهت إليه رياستها وإمرتها ، ولم يبق بالعراق أمير من سادات العرب إلا تحت أمره ، وأمده عمر بأمداد أخر حتى اجتمع معه يوم القادسية ثلاثون ألفا ، وقيل ستة وثلاثون . وقال عمر : والله لأرمين ملوك العجم بملوك العرب . وكتب إلى سعد أن يجعل الامراء على القبائل ، والعرفاء على كل عشرة عريفا على الجيوش ، وأن يواعدهم إلى القادسية ، ففعل ذلك سعد ، عرف العرفاء ، وأمر على القبائل ، وولى على الطلائع ، والمقدمات ، والمجنبات والساقات ، والرجالة ، والركبان ، كما أمر أمير المؤمنين عمر ( 4 ) . قال سيف بإسناده عن مشايخه قالوا : وجعل عمر على قضاء الناس عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي ذا النون ( 5 ) ، وجعل إليه الاقباض وقسمة الفئ ، وجعل داعية الناس وقاصهم سلمان

--> ( 1 ) في فتوح ابن الأغثم : في سبعة آلاف . ( 2 ) الأعوص : موضع على أميال من المدينة ، وقيل : واد في ديار باهلة لبني حصن . ( 3 ) في الطبري : الأعمال . ( 4 ) راجع في تفاصيل تدابير سعد العسكرية الطبري 4 / 88 . ( 5 ) في الطبري : ذا النور .